سهيلة عبد الباعث الترجمان

248

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

أن للحق ظهورا في كل شيء ، بل هو عين كل شيء ، وهو ظهور لا يبدو للعيان بل يعرف بالكشف وفي ذلك يقول : قد وسع الحق كل شيء * لأنه عن كل شيء فما ترى فيه غير حق * في كل نور وفي كل فيء « 1 » فلا يقتصر الأمر إذن فيما يراه ابن عربي على تحديد العين الإلهية الظاهرة في كل شيء ، بل ظهورها في الأشياء جميعها وهو عينها ، كما يرى أنه حتى النفس وصورها التي تظهر فيها يكون اللّه عين كل صورة فيها ، وهذا معنى التحقق الكامل بالألوهية حيث يصبح الحق في قبلة العبد لا يسمع غير كلامه ولا يبصر غير وجهه فيقول شعرا : فما نظرت عيني إلى غير وجهه * وما سمعت أذني خلاف كلامه فكل وجود كان فيه وجوده * وكل تشخيص لم يزل في مقامه « 2 » وقد عمد ابن عربي إلى توضيح قوله : " سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها " لئلا تفهم على غير مرادها ، فقال : " فهو عين كل شيء في الظهور ، ما هو عين الأشياء في ذاتها سبحانه وتعالى ، بل هو هو والأشياء أشياء ، فبعض المظاهر لما رأت حكمها في الظاهر تخيلت أن أعيانها اتصفت بالوجود المستفاد ، فلما علمنا أن ثمّ في الأعيان الممكنات من هو بهذه المثابة من الجهل بالأمر ، تعين علينا مع كوننا على حالنا في العدم مع ثبوتنا أن نعلم من لا يعلم من أمثالنا ما هو الأمر عليه ، ولا سيما وقد اتصفنا بأنا مظهره ، فتمكنا بهذه النسبة من الإعلام لمن لا يعلم . . " « 3 » وهو في هذا حريص على نفي المثلية عن الحق حتى لا يقع السامع في التشبيه فيذهب فيه كل مذهب ، وقد أشار إلى موقفه هذا بنفي الشبيه عنه إذ " ليس كمثله شيء " وذلك كقول المعتزلة في تنزيه اللّه عن الجسمية حين قالوا ليس كمثله شيء ، فإنه تعالى عين ما ظهر وليس ما ظهر

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 507 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 604 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص . ص 637 - 638 .